السيد حيدر الآملي
508
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
( في أنّ مبادئ الإدراك ثلاثة : الكشف والتفكّر والتعقّل ) فذلك تصريح بمطلوبنا ، وهو أن الموجودات كلَّها آيات اللَّه الَّتي هي في ضمن الكتاب الآفاقي ، ومع ذلك فيه رعاية الترتيب المذكور من الإدراكات لأنّ المرتبة الأولى الَّتي هي مرتبة أرباب اليقين والكشف والشّهود ، ذكرها في الأولى وخصّصها بالعلويّات كالعرش والكرسي والأفلاك والأجرام وما يتعلَّق بها من الشّمس والقمر وجريانهما وقيّد المجموع باللَّقاء والرؤية والكشف والمشاهدة ، لقوله : بلقاء ربّكم يوقنون . ومعلوم أنّ اليقين خصوصا عين أو حقّ اليقين نهاية المراتب في الكشف والشّهود ، لقوله تعالى في حق إبراهيم عليه السّلام : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ سورة الأنعام : 75 ] . ولقول أمير المؤمنين عليه السّلام حيث كان في هذا المقام : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ( 327 ) والمرتبة الثّانية ، مرتبة أرباب الفكر والمتوسّطين من أهل السّلوك ، ذكرها في الوسط وخصّصها بالأرض وما يتعلَّق من الموجودات المركّبة كالجبال والبحار والأنهار والأشجار ، واختلاف الليل والنهار ، لقوله : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ . . . [ سورة الرعد : 3 ] . وعلَّة خصوصيّة الفكر بأرباب الأوساط دون أهل الكتاب لأنّ في البداية والوسط ليس الفكر بمذموم كما هو في الأخير والنّهاية ، فإنّ في النهاية طرح الأفكار وإسقاط تصرّف العقول واجب ، كما قال العالم الرّباني عليه السّلام : عرفت اللَّه بترك الأفكار ( 328 ) .
--> ( 327 ) قوله : لو كشف الغطاء . راجع شرح الغرر والدّرر للآمدي ج 5 ، ص 108 ، الرقم 7569 ، وأيضا شرح « المائة كلمة للبحراني » ص 52 الكلمة الأولى . ( 328 ) قوله : عرفت اللَّه . قال أمير المؤمنين ( ع ) : عرفت اللَّه سبحانه بفسخ العزائم ، وحلّ العقود ، ونقض الهمم . نهج البلاغة ، قصار الحكم ، الرقم 249 .